محمد بن جرير الطبري
190
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من عقوبته على معصيتكم إياه بعد إقامته الحجة عليكم ، وفي غيره من أموره . وقد قال عدد من أهل التأويل . إن البينات هي محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن . وذلك قريب من الذي قلنا في تأويل ذلك ، لأَن محمدا صلى الله عليه وسلم والقرآن من حجج الله على الذين خوطبوا بهاتين الآيتين . غير أن الذي قلناه في تأويل ذلك أولى بالحق ، لأَن الله جل ثناؤه ، قد احتج على من خالف الإِسلام من أخبار أهل الكتاب بما عهد إليهم في التوراة والإِنجيل " وتقدم إليه على ألسن أنبيائهم بالوصاة به ، فذلك وغيره من حجج الله تبارك وتعالى عليهم مع ما لزمهم من الحجج بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ؛ فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر أقوال القائلين في تأويل قوله : فَإِنْ زَلَلْتُمْ : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قوله : فَإِنْ زَلَلْتُمْ يقول : فإن ضللتم . وحدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : فَإِنْ زَلَلْتُمْ قال : والزلل : الشرك . ذكر أقوال القائلين في تأويل قوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ يقول : من بعد ما جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم . وحدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج : فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ قال : الإِسلام والقرآن . وحدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع . فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يقول : عزيز في نقمته ، حكيم في أمره . القول في تأويل قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ يعني بذلك جل ثناؤه : هل ينظر المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة . ثم اختلفت القراء في قراءة قوله وَالْمَلائِكَةُ . فقرأ بعضهم : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ بالرفع عطفا بالملائكة على اسم الله تبارك وتعالى ، على معنى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام . ذكر من قال ذلك : حدثني أحمد بن يوسف عن أبي عبيد القاسم بن سلام ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قال : في قراءة أبي بن كعب : " هل ينظرون إلا إذ يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام " قال : تأتي الملائكة في ظلل من الغمام ، ويأتي الله عز وجل فيما شاء . وقد حدثت هذا الحديث عن عمار بن الحسن ، عن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ الآية . وقال أبو جعفر الرازي : وهي في بعض القراءة : " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام " ، كقوله : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا وقرأ ذلك آخرون : " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة " بالخفض عطفا بالملائكة على الظلل ؛ بمعنى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة . وكذلك اختلفت القراء في قراءة ظُلَلٍ ، فقرأها بعضهم : فِي ظُلَلٍ ، وبعضهم : " في ظلال " . فمن قرأها فِي ظُلَلٍ ، فإنه وجهها إلى أنها جمع ظلة ، والظلة تجمع ظلل وظلال ، كما تجمع الخلة خلل وخلال ، والجلة جلل وجلال . وأما الذي قرأها في ظلال فإنه جعلها جمع ظلة ، كما ذكرنا من جمعهم الخلة خلال . وقد يحتمل أن يكون قارئه كذلك وجهه إلى أن ذلك جمع ظل ، لأَن الظلة والظل قد يجمعان جميعا ظلالا . والصواب من القراءة في ذلك عندي هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ لخبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفا " فدل بقوله طاقات على أنها ظلل لا ظلال ، لأَن واحد الظلل ظلة ، وهي الطاق . واتباعا لخط المصحف . وكذلك الواجب في كل ما اتفقت معانيه واختلفت في قراءته القراء ولم يكن على إحدى القراءتين دلالة تنفصل بها من الأَخرى غير اختلاف خط المصحف ، فالذي ينبغي أن تؤثر قراءته منها ما وافق رسم المصحف . وأما الذي هو أولى القراءتين في : وَالْمَلائِكَةُ فالصواب بالرفع عطفا بها على اسم الله تبارك وتعالى على معنى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ، وإلا أن تأتيهم الملائكة ؛ على ما روي عن أبي بن كعب ، لأَن الله جل ثناؤه قد أخبر في غير موضع من كتابه أن الملائكة تأتيهم ، فقال